Jordan Heart Health Magazine, guide to doctors and health issues

الصفحة الرئيسية >> التحاليل الطبية >> مطرٌ قاتل/  د. لميس السويطي اللوزي

مطرٌ قاتل/  د. لميس السويطي اللوزي


 في شهر سبتمبر 1973 كانت حانة سوانسيا في جنوب وايلز الإنجليزية تعج بالمحتفلين ومن ضمنهم جيرالدين هيوز وصديقتها المقربة بولين فلويد الصديقتان كانتا في عمر السادسة عشر. في الساعة الواحدة صباحاً وعند انتهاء الإحتفال أحتارت الفتاتان في كيفية العودة الى البيت ففي هذه الساعة المتأخرة من الليل لا يوجد باصات لنقل الركاب وكلتاهما لا تستطيع تحمل المبلغ الذي يطلبه سائق التكسي خاصة أن المنزل لا يبعد أكثر من سبعة أميال عن الحانة.
 
بسبب الظروف المادية كان من العادي جداً للقاطنين هناك أن يطلبوا من أي أحد ولو غريب يملك سيارة خاصة أن ينقله في طريقه الى المنزل. في تلك الليلة التي لم يتوقف بها المطر كان السيد فيليب اوكونوريقف على إشارة الطريق بسيارته ويستمع الى الراديو عندما لاحظ سيارة بيضاء تتوقف بجانب فتاتين على الطريق ثم تنطلق مسرعة بجانب سيارته. استطاع أن يلمح الفتاتين تجلسان بجانب السائق
واستطاع أن يرى أن السائق لة شعر كثيف وشارب ولكنه لم ير أكثر من ذلك.
 
غابة الموت
في اليوم التالي لم تصل أيٌ من جيرالدين أو بولين الى منزلهما. وفي العاشرة صباحاً عندما كان أحد المواطنين يتمشى في الغابة القريبة عثر على جثة فتاة رأسها لللأسفل وحول رقبتها حبل ملفوف بقوة وقد غمرت الدماء ملابسها بسبب ضربات شديدة على الرأس. بعد الإبلاغ عن الجريمة قامت الشرطة بالتعرف على الجثة بأنها بولين وبعد تفتيش  المنطقة وعلى بعد خمسين متراً من جثة بولين تم العثور على جثة جيرالدين التي ماثلت جثة صديقة عمرها جيرالدين من حيث الحبل الملتف حول رقبتها وأثار الضربات المتكررة على الرأس.
 
تم نقل الجثتين الى الطبيب الشرعي والذي حدد أن الفتاتين قد تم اغتصابهما ثم خنقتا وضربتا حتى الموت.كانت جثتا الفتاتين بعيدة عن الحانة وعن بيتهما وتسائلت الشرطة كيف استطاع القاتل أن يصل بهما لتلك المنطقة وأن يتحكم بهما ثم قتلهما بتلك الطريقة الشنيعة دون أن تقاوم احدهما ولم تتوصل الشرطة لأية إجابات شافية. قامت الشرطة بتجنيد 150 محققاً في القضية واعتبرت تلك العناصر من الشرطة أكبر فريق صيد لقاتل في تاريخ ويلز.
 
سيارة الأوستين البيضاء 1100
بدأ فريق التحقيق بسؤال أصحاب المنطقة التي حدثت فيها الجرائم وطلبت الشرطة عبر الإذاعة والتلفاز من أي مواطن لديه معلومات التقدم بها لفريق البحث. تقدم السيد جيرالدين هيوز الذي شاهد الفتاتين وهما تصعدا السيارة البيضاء كما تقدم مواطنون آخرون شهدوا بان سيارة بيضاء توقفت على حدود الغابة من الساعة الواحدة وخمس واربعون الى الساعة الثانية والربع صباحاً وقد استنتجت الشرطة بأن
هذه السيارة هي سيارة القاتل. وبالتحقيق تم ربط جريمة قتل بولين وجيرالدين بحريمة ثالثة لفتاة في السادسة عشر من العمر تدعى ساندرا نيوتن عثر عليها قبل ثلاثة أشهر في مكان قريب من مسرح الجريمة وقد تم اغتصابها وخنقها.
وقد تمت مشاهدة سيارة بيضاء من نوع اوستن 1100 تغادر مارة بالقرب من مسرح الجريمة لساندرا نيوتن.
 
قاتل السبت المتسلسل
في ذلك الزمن لم تكن الشرطة تملك أي من الوسائل التكنولوجية الحديثة التي قد تساعد في البحث عن القاتل كل ما امتلكته الشرطة هو لوح ومجموعة من الطباشير البيضاء وغرفة صغيرة كانت تستخدمها للنقاش ووضع الخطط على اللوح الأسود.
قامت الشرطة بعمل منع تجول بعد الساعة التاسعة ليلاً وكان الناس لا يفتحون بيوتهم لأحد ولا يغادرون
إلا لأعمالهم في وضح النهار وساد الرعب المنطقة. ومع تقدم التحقيق أصبحت كمية الورق المستخدم لكتابة التحقيق هائلة خاصة بعد أن تم التحقيق مع احد عشر ألف مالك لسيارة اوستن 1100 حيث أن ذلك النوع كان منتشراً في تلك المنطقة. تم التحقق من كل مالك للسيارة وتدوين حجة غيابهم من ساحة الجريمة وتوثيقها في تلك السجلات. ومع الوقت غرق المحققون في أكوام من العمل المكتبي المرهق
الذي لم ينتج عنه أي معلومة مفيدة وبشعور محبط تم نقل جميع أدلة مسرح الجريمة الى سراديب القضايا العالقة وتم التوقف عن التحقيق. وكون أن الجرائم الثلاثة حدثت يوم السبت فقد أطلقت الصحافة اسم خانق يوم السبت على القاتل المتسلسل.
 
تقنية الحمض النووي والملاذ الأخير
في عام 1998 تم تطوير تقنية جديدة لإستخراج الحمض  النووي من بقايا عينات لسوائل الجسم مهما كانت صغيرة في الحجم. تم فتح التحقيق بالقضايا العالقة لخانق يوم السبت وتم الرجوع الى الأدلة التي تم حفظها من مسرح الجريمة ليبدأ العمل على محاولة استخراج الحمض النووي للقاتل. وبعد عامين من الجهود المضنية تم استخراج عينة للمجرم من السائل المنوي المستخرج من جسد جيرالدين فقط إذ لم يتم حفظ بقية العينات بشكل جيد لجثتي بولين وساندرا ولكن الشرطة كانت متأكدة من أن القاتل واحد في الجرائم الثلاثة التي كان قد مضى على ارتكابها نحو ثلاثين عاما !!!!!
 
قامت الشرطة بإدخال الحمض النووي المستخرج في قاعدة بيانات المجرمين المحفوظ لديها وللأسف لم يطابق الحمض النووي أي من المجرمين فيه.لم يثن هذا الأمر المحقق الرئيسي وزملائه من متابعة الأمر خاصة أنهم كانوا ما زالوا على رأسي عملهم منذ عمليات القتل وكان حلمهم أن يحلوا القضية قبل تقاعدهم. فكر المحققون في الحصول على عينات من الحمض النووي لجميع الذين تم التحقيق معهم قبل حوالي الثلاثين عاماً وكان عددهم خمسة وثلاثون ألف شخصاً ولكن التكلفة المادية لتلك الفحوصات حالت دون تنفيذ الأمر الا لخمسمائة شخص. وبالرغم من العدد الهائل لملف التحقيق قرر المحققون أن يعودوا لنبش الملفات القديمة وقراءتها والتعمق فيها من جديد. كان الموضوع صعباً جداً أن تعود لقراءة ملفات لأكثر من خمسة وثلاثين ألف شخص تم التحقيق معهم قبل ثلاثين عاماً. دفن المحققون أنفسهم
في غرفة الملفات القديمة لساعات طويلة وكانوا لا يذهبون لبيوتهم الا لساعات معدودة. وبنفس الوقت تم أخذ عينات من الحمض النووي لثلاثمائة وثلاثة وخمسون شخصاً اعتبرهم المحققون خطرين وقد يكون لهم علاقة بالجرائم ولكن لم يكن أي أحد منهم مطابق للعينة المستخرجة من جسد جيرالدين.
 
الإبناء سر الأباء
في عام 2001 وبمساعدة من الدكتور جوناثان ويتكر عالم في الحمض النووي الذي اقترح على المحققين مقارنة الحمض النووي للقاتل بجميع الأسماء التي خُزنت لدى الشرطة في قاعدة البيانات للحمض النووي وكان عددهم اثني وعشرين الف شخص من اصحاب السوابق. كان الدكتور يعتقد بأنه
وبالرغم من أن تلك الجرائم حدثت عام 1973 فلا بد أن يكون هناك أولاد أو أخوة للقاتل قد يتطابق فيها الحمض النووي بنسبة % 50 وبذلك يمكن الرجوع للآباء من خلال تعقب الأجيال الجديدة للحمض النووي. استطاع الدكتور جوناثان وبخلال عملية بسيطة على الحاسوب أن يصل لإسم السيد بول كابين وهو سارق سيارات معروف في المنطقة وقد تطابق حمضه النووي بنسبة % 50 مع حمض القاتل.
 
وبالرجوع لزمن الجرائم وجد الدكتور جوناثان أن السيد بول كان بعمر السابعة فقط وبالرجوع الى سجل والده الذي أصبح المتهم الأول وجد المحققون أنه كان قد توفى قبل اكثر من عشرة سنوات.
إعتراف من القبر
قامت الشرطة بإستخراج جثة والد بول السيد جوزيف كابين من قبره ليصبح أول قاتل متسلسل ينبش من قبره لإثبات ذنبه بالقتل. تم استخراج الحمض النووي من جثة جوزيف وحصل المحققون على التطابق الذي انتظروه طويلاً. كانت لحظة مليئة بالعواطف للمحققين ولعائلات الضحايا اللذين طال انتظارهم لهذه اللحظة.
بالرجوع الى ملفات التحقيق القديمة وجد المحققون ان الشرطة حققت مع جوزيف كابين قبل ثلاثين عاماً لامتلاكه سيارة اوستن بيضاء ولكنه قال في ذلك الوقت أن سيارته معطلة ولم يستخدمها وصدقه المحققون, كانت غلطة كبيرة ولكن العدد الهائل للمشتبه بهم حال دون التعمق بالتحقيق معه بالرغم من وجود خلفية اجرامية وعنيفة له في سجله حيث أمضى الكثير من الوقت في السجن. قد يمر الوقت بطيئاً لعائلات الضحايا وقد يمر سريعاً لآخرين ولكن يبقى التقدم العلمي في مجال حل الجرائم متمثلاً بالحمض النووي بالمرصاد فمنذ الكشف عن هذه التقنية تم حل الآلاف من الجرائم العالقة منذ عشرات
السنين بالإضافة لسهولة الكشف عن الجرائم الحديثة فعين العلم متيقظة وعين العدالة لا تنام.
 
 
الدكتورة لميس السويطي اللوزي
استشارية علم الدم والمناعة
مديرة مختبرات المؤتمن الطبي
 



حزيران 2019 (انقر للمزيد)
السبتالأحدالإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعة
25262728293031
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293012345

النشرة الدورية